محمد الطالبي
يحل فاتح ماي من جديد، ليس كموعد احتفالي بروتوكولي، بل كلحظة مكثفة لإعادة طرح سؤال الكرامة في الشغل، وسؤال موقع العامل والعاملة في بنية الاقتصاد والمجتمع. إنه يوم يعيد التذكير بأن وراء كل رقم في المؤشرات الاقتصادية إنسانًا، ووراء كل نمو مُعلن جهدًا يوميًا غالبًا ما لا يُنصف.
في المغرب، كما في كثير من السياقات المماثلة، يبدو أن المعادلة قد انقلبت في جوهرها: بدل أن تكون مؤسسات الإنتاج والتشغيل هي التي تبحث عن اليد العاملة وتتنافس من أجل استقطابها بشروط عادلة، يصبح العامل والعاملة في كثير من الحالات هما من يبحثان عن العمل، أي عمل، بأي شروط، فقط لضمان البقاء.
هذا الانقلاب ليس تفصيلًا اقتصاديًا بسيطًا، بل هو عنوان لاختلال أعمق في ميزان القوة داخل المجتمع، حيث تتحول الحاجة إلى العمل إلى نقطة ضعف، بدل أن تكون نقطة قوة تُبنى عليها الحقوق.
في الواقع المعيش، يواصل عمال المغرب والعاملات في مختلف القطاعات حمل ثقل الاقتصاد الحقيقي: في المصانع، في الضيعات الفلاحية، في البناء، في النقل، في الخدمات، وفي الاقتصاد غير المهيكل الذي يتسع بصمت. لكن هذا الجهد الكبير لا ينعكس دائمًا في مستوى العيش، ولا في الاستقرار، ولا في الحماية الاجتماعية الكافية.
أجور لا تواكب كلفة الحياة، ساعات عمل مرهقة، هشاشة في العقود أو غيابها، ضعف في التغطية الصحية والاجتماعية، كلها ملامح تجعل من الشغل نفسه مصدر قلق دائم، بدل أن يكون مصدر أمان وكرامة.
وفي قلب هذا الواقع، تعيش العاملات وضعًا أكثر هشاشة وتعقيدًا، حيث يتداخل عبء العمل مع عبء اجتماعي إضافي، ومع أشكال متعددة من عدم الإنصاف. ورغم ذلك، يواصلن أداء دور أساسي في دورة الإنتاج وفي استمرارية الحياة الاقتصادية والاجتماعية، غالبًا في صمت غير منصف.
في المقابل، تتوسع كلفة المعيشة بشكل متسارع: الغذاء، السكن، النقل، الصحة، والتعليم. هذه الارتفاعات المتتالية لا تقابلها دائمًا سياسات حماية اجتماعية كافية أو تطور مماثل في الدخل، ما يخلق فجوة يومية بين ما يُنتج وما يُستطاع العيش به.
إن ما يعيشه العمال والعاملات اليوم ليس مجرد وضع اقتصادي ظرفي، بل هو سؤال عدالة اجتماعية بامتياز: كيف يمكن لمجتمع أن يطلب من الإنسان أن يعمل أكثر، ليعيش بصعوبة أكبر؟
ثم إن أحد أخطر التحولات في المرحلة الراهنة هو تراجع القوة الجماعية للعمال، نتيجة التشتت، وتعدد أنماط التشغيل الهش، وتراجع التنظيمات القادرة على الدفاع الموحد عن الحقوق. وهذا ما يجعل ميزان التفاوض غير متكافئ في كثير من الأحيان.
ومع ذلك، يبقى جوهر فاتح ماي حيًا: أن العامل ليس رقمًا في معادلة إنتاج، بل إنسان كامل الحقوق. وأن العمل ليس امتيازًا يُمنح، بل حق يجب أن يُصان. وأن الكرامة ليست مطلبًا إضافيًا، بل أساس كل بناء اجتماعي سليم.
إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط كيف نخلق الشغل، بل كيف نجعل الشغل إنسانيًا، كريمًا، ومستقرًا. وكيف نعيد ترتيب الأولويات بحيث يصبح الإنسان في قلب السياسات، لا في هامشها.
العمال ليسوا عبيدًا…
بل هم من يصنعون الحياة كل يوم، بصمت، وبجهد، وبإصرار يستحق الإنصاف لا الامتنان فقط.





