توصلت من صديق مناضل نقابي برسالة تحمل رابط صفحة على الفيسبوك. وبعد فتحها فوجئت بحجم انحطاطها، خاصة أن الصفحة تعود لمحام وأمين عام لحزب سياسي.
ونظرا لكون الصور المرافقة للتدوينة على الفيسبوك تتعلق بمنصة فاتح ماي الخاصة بالاتحاد المغربي للشغل المنصبة على شارع الجيش الملكي بالدار البيضاء (رغم أن صاحب التدوينة لم يشر للاتحاد المغربي للشغل بالاسم)، ونظرا لحجم الاشمئزاز الذي شعرت به وأنا أقرأ التدوينة المنحطة لصاحبها: محمد كفيل، الأمين العام لحزب “النهضة والفضيلة”، التي أفرغ فيها مراهقة سياسية وادعاء أخلاقيا مفضوحا، ارتأيت أن أكشف تفاهة ما خطه، وركاكة حجته، وهوان موقفه.
“فاقد الفضيلة”.. حين يكون الوعظ قناعا للتحقير والرجم
أولا، من ينعت مناضلات ومناضلي أكبر مركزية نقابية في المغرب بـ”المنافقين”، في تدوينة نشرها يوم فاتح ماي اليوم الأممي للعمال، لا يمكن وصفه إلا بأنه فاقد لـ”الفضيلة” فعلا، ولا يملك منها ولا حتى الاسم الذي يحمله حزبه. هذه ليست زلة سياسية، بل قلة أدب صريحة، تكشف أن هذا الحزب صار أشبه بمحفظة شعارات جوفاء، يلبس صاحبها ثوب الوعظ ليمارس التحقير والرجم المجاني. من ينعت النقابيين العمال بالنفاق قبل أن يسقط جبينه سجودا لكدحهم وكفاحهم وكفاح منظماتهم، ليس أهلا لأن يتحدث باسم “النهضة” ولا باسم الأخلاق، وإنما هو نموذج للتصدر الفارغ الذي يحتمي بالشاشات ليرمي حجارته على من يبنون ويصونون الوطن بالعرق والتنظيم والنضال.
محام ضد القانون.. تصوير خلسة يكشف علاقة انتقائية بالتشريع
ثانيا، السيد كفيل محمد محام – كما يفترض – لكنه أقدم على فعل يعاقب عليه القانون والأخلاق معا: قام بتصوير عمال دون إذنهم، ودون إذن المنظمة المشرفة على المنصة، ودون إذن الشركة المكلفة بالإنجاز والتي يظهر شعارها على قبعات ولباس العمال، ثم نشر صورهم على الملأ وكأنهم متهمون في قضية هو المحقق فيها والجلاد معا. هذا ليس خطأ إجرائيا، بل سقوط قانوني متعمد يفضح أن علاقته بالقانون علاقة مصلحة وانتقاء، لا التزام. محام يتلذذ بتصوير عمال وبث صورهم دون رضاهم، يفقد أخلاقيات المهنة ويدفعنا للتساؤل: أي قانون هذا الذي تدعي الدفاع عنه وأنت تنتهكه بهذه البساطة المعيبة؟

صبيانية “الأمين العام”.. منطق “أصور ثم أفتري” يسقط في يد الحقيقة
ثالثا، السيد كفيل محمد أظهر صبيانية وتفاهة في أبشع صورها. الرجل الذي التقط تسع صور للعمال وهو يتفرج عليهم من بعيد، لم يتكلف عناء السؤال أو الاستفسار قبل أن يكتب “رذيلته” على حسابه. تصرف كمراهق يلهث وراء رفع عدد المشاهدات، يكدس الصور ليصوغ اتهاما جاهزا، ويمارس “صحافة الإثارة الرخيصة” بمنطق: “أصور ثم أفتري”. والحقيقة التي أخفاها بكل وعي، وهي مثبتة في صوره التي التقطها بيديه، أن العمال يرتدون خوذات على شكل كاسكيطة واقية (انظر الصورة رفقته)، كما أكد أحد النقابيين ذوي الخبرة في مثل هذه الأعمال بعد اطلاعه باستغراب على الصور المنشورة والذي أكد أيضا أن شروط السلامة كانت متوفرة ارتباطا بعلو المنصة وطبيعتها. لذلك السيد محمد كفيل لم يكذب على متابعيه فحسب، بل كشف أنه يفضل الكذبة الرنانة على الحقيقة الهادئة، وهذا ديدن الصغار لا قادة الأحزاب.
شهادة إفلاس سياسي.. هاتف لا يرى استغلال الحكومة ويركز على تشويه النقابة
رابعا، تدوينة عبارة عن شهادة إفلاس سياسي. أمين عام حزب سياسي يُفترض أنه يَعِد المغاربة بتحسين أوضاعهم، يكتفي بالمرور على ورش إعداد منصة نقابية لفاتح ماي، فيلتقط صورا ويشوه ويكذب ويتهم النقابة بـ”النفاق”. هذا كل ما استطاع المسكين! كأن هاتفه النقال لا يستطيع التقاط صور لعمال أوراش المقاولات الذين يمر عليهم صباح مساء، مجردين من الخوذات وبدلات وأحدية العمل ومن أبسط الحقوق ومن الكرامة بالصيف كما بالشتاء، وكأن حسابه الفيسبوكي لا يتسع لتدوينة تندد بسياسة الحكومة التي تضعضع يوميا القدرة الشرائية وتضرب حقوق الأجراء وتتحضر للعصف بمكتسباتهم. في الحقيقة بسلوكه هذا لقد حدد موقعه بدقة مقرفة. فهو مع السياسة التراجعية للحكومة وإن كان ضد أعضائها وأحزابها ومع الممارسات الاستغلالية للباطرونا وإن أظهر بعض الامتعاض منها، لأنه ببساطة اختار أن يفتري على النقابة التي تمثل القوة التنظيمية الوحيدة التي تصدح بمعارضة هذا الواقع وتناضل ضد هذه السياسات وتدافع عن العمال قدر استطاعتها.
نعم هذا هو موقعه. لأنه بدل أن يدعو أنصاره من العمال إلى دعم وتعزيز العمل النقابي المستقل، وجه طاقته للكذب والبهتان لكي يجعلهم يعادون النقابة التي تعد أهم سلاح بيد العمال. وربما لعله لا يقوم بذلك سوى في انتظار خلق حزبه لملحقته “النقابية الفاضلة” التي “ستعيد للعمل النقابي مصداقيته” على حد قوله. ربما؟! عموما في كلتا الحالتين هذا الموقف يعادي الشغيلة والحركة النقابية ويضعفها ويضعف حظوظها في تحقيق النصر على سياسات التفقير وهضم حقوقها.
نعم، هذا هو موقعه؛ موقع المتواطئ ضمنا مع الحكومة، ومع ممارسات أحزاب الأغلبية ضد الشغيلة ومنظماتها المستقلة. فبينما يختلق الأكاذيب على منصة نقابة أصيلة ومستقلة هي الاتحاد المغربي للشغل، يغض الطرف كليا عن الفضيحة المدوية: تجمعات النقابات الحزبية التي تعتلي منصاتها وجوه حكومية، ووزراء حاليون وسابقون، ورؤساء أحزاب، بل ورئيس حكومة سابق، ممن نصبت سياساتهم العداء الصريح لمصالح الطبقة العاملة طيلة العقدين الأخيرين. ألسنا هنا أمام المعيار الأصدق لمحاكمة نوايا الرجل وموقفه من الشغيلة؟ إن هذه التدوينة تعري الإفلاس السياسي والأخلاقي لصاحبها أمام الطبقة العاملة.
التدليس الحجاجي.. سفسطة مأجورة تخلط بين الجاني والضحية
خامسا، التدوينة تكشف خداع صاحبها بلجوئه إلى التدليس الحجاجي المفضوح. فهو يقفز من تحميل النقابة مسؤولية “شروط السلامة” في منصة (وقد ثبت أنه كاذب)، إلى البكاء على الأجور الهزيلة وغلاء السكن وانهيار المدرسة العمومية، وكأن الاتحاد المغربي للشغل هو من يضع السياسات العمومية في البلاد ويملك مقاليد الحكومة. هذا التضليل الحجاجي ليس جهلا، بل خداع متعمد يظن به أن القارئ غبي لا يفرق بين النقابة التي تقاوم، والحكومة التي تنهب والأحزاب، من قبيل حزبه، التي تكتفي بامتطاء ظهر الفقراء والمساكين لبلوغ قبة البرلمان وباقي المجالس. إنها سفسطة محام مأجور يخلط الأوراق ليبعد التهمة عن الجاني الحقيقي ويلصقها بالضحية. سقطة منطقية تفضح معدن رجل يقف على الخديعة لا على قوة الحجة وتماسكها.
أخيرا، لقد سقط السيد محمد كفيل أخلاقيا وسياسيا وقانونيا وحجاجيا. سقط لأنه استبدل السياسة بالتشفي، والنضال بالتصوير الخلسة، والفضيلة بالرذيلة وبخلطه بين الجاني والضحية.
رسالة إلى أنصار كل حزب.. استقلالية النقابة ضمانة وحدتها وقوتها
ختاما، في الوقت الذي أستهجن فيه هذه التدوينة الفيسبوكية الخرقاء، الصادرة عن “قائد حزب” لم يجد من قضايا الوطن ما يشغله غير تشويه مناضلي الاتحاد المغربي للشغل، وهم يرفعون منصات الكرامة بسواعدهم، أتوجه إلى العمال والكادحين وإلى شباب هذا الحزب ومختلف الأحزاب، بكل ألوانها، لأقول لهم: إن الاتحاد المغربي للشغل يؤمن بأن استقلالية النقابة عن الأحزاب والدولة والباطرونا خط أحمر، وضمانة لوحدتها وقوتها. كما يؤمن بحق كل منخرط في الانتماء إلى أي حزب شاء، بكل حرية، شريطة احترام هذه الاستقلالية، وعدم توظيف النقابة في أي أجندة حزبية. إن الاتحاد المغربي للشغل كان وسيبقى المنظمة النقابية لكل شغيلة المغرب، وسلاح كفاحها من أجل الحقوق والكرامة والدفاع عن المكتسبات. أبوابه مشرعة، وهياكله رهن إشارة العمال والعاملات، في خدمتهم لا في استخدامهم.
عادل بهوش ، عضو المكتب الوطني للاتحاد المغربي للشغ





