تفاعلا مع ما كتب بإسم أبو وائل الريفي، ونشرته يومية “الأحداث المغربية” اليوم الاثنين، عن ماجرى في أول اجتماع للمجلس الوطني للصحافة المغربية، دعوني أعلن منذ البداية عن ٱسفي الشديد، ودعوني أقول منذ البداية أنه :
من المؤسف أن يتحول النقاش في الفضاء العمومي حول القضايا التي تهم الوطن أولا، وتهم كل المغاربة ثانيا، حول إعادة بناء مجلس وطني للصحافة، وفق مبادىء الاستقلالية والتعددية والديمقراطية والشفافية، من نقاش حول المهنة، واختصاصات المؤسسة، وضمانات التنظيم الذاتي، إلى تصفية حسابات شخصية وتوزيع الاتهامات على بعض أعضاء المجلس.
المشكل في مقال ابو وائل الريفي ليس فقط في لهجته، وإنما في الخلط الواضح بين هموم المهنة وتشخيص الخلاف.
فمن حق أي عضو أن يطرح ملاحظاته وأن يعترض على المساطر، لأنه في نهاية المطاف يتم الاحتكام للقانون، لا أن يتحول الخلاف حول الرئاسة أو حول شرعية ترشح عضو لها، إلى مناسبة للطعن في تاريخه وشخصه وانتماءاته وعلاقاته، فذلك يبعد النقاش عن جوهره.
والأغرب أن صاحب المقال يتحدث عن “المشروعية” وكأن استعمال الكلمة يمنح موقفه قوة إضافية.
المشروعية لا تكتسب بتكرار المصطلح، وإنما تستمد من القانون ومن إحترام قواعد التمثيلية والانتخاب والإختصاص.

هناك مسألة جوهرية لا ينبغي القفز عليها : ليس من حق عضو منتدب أن ينصب نفسه سلطة فوق عضو آخر انتخبه مئات الصحافيين، وأن يمنحه شهادة في الأهلية أو الشرعية أو الانتماء للمهنة. العضوية المنتخبة لها مصدر مشروعيتها، كما أن العضوية بالانتداب لها مصدرها، ولا يجوز تحويل اختلاف مصدر التفويض إلى وسيلة للتفوق الأخلاقي أو السياسي على الآخرين.
وبالمثل، ليس من حق أي عضو أن يهاجم عضوا آخر لمجرد أنه قرر الترشح لرئاسة المجلس.
الترشح في مؤسسة منتخبة ليس جريمة، ولا يحتاج إلى إذن من أحد. الفيصل هو صندوق الاقتراع، ومن حق المرشح أن يترشح، ومن حق الأعضاء أن يصوتوا له أو ضده، ومن حق الجميع بعد ذلك احترام النتيجة والمساطر القانونية.
ويختبىء ابو وائل الريفي، في مقاله و في أكثر من موضع، خلف رئيس المجلس الذي تم انتخابه، والمفروض فيه ألا يتحول إلى متفرج أو مردد لما يهدد بداية عمل هذا المجلس.
من المفروض الا ننقل “البلطجة” إلى داخل المجلس الوطني للصحافة، لانها ستكون بداية مؤسفة حقا.
اما تحويل المقال إلى إستعراض وقائع قديمة، وحكايات عن أشخاص وهدايا وولاءات وانقلابات حزبية، وعبارات من قبيل “الوزن الحقيقي” و”الهزيمة النكراء” و”العميل المزدوج”، فلا يخدم قضية الصحافة ولا المجلس الوطني. بل يكشف أن صاحب المقال غادر أرضية النقاش المؤسساتي إلى مساحة التجريح الشخصي.
إذا كان المطلوب فعلا حماية المجلس الوطني للصحافة، فإن أول حماية له هي ألا يتحول أعضاؤه إلى خصوم يطعن بعضهم في بعض، وألا يصبح الاختلاف حول الرئاسة مدخلا لتصفية الحسابات، وألا تستعمل عضوية المجلس منصة لمنح شهادات في الوطنية والمهنية والانتماء.
كما أن من يريد محاسبة المسؤولين السابقين عن اختلالات مهنية أو مالية، فليقدم الوثائق والمعطيات إلى الجهات المختصة، وليدعها تحقق وتقرر. أما إطلاق الاتهامات في مقال صحفي، ثم مطالبة الآخرين بإثبات براءتهم، فليس هو الطريق السليم لبناء مؤسسة يفترض أن تكون عنوانا للتنظيم الذاتي واحترام القانون.
المفارقة أن من يرفع شعار “المشروعية” هو نفسه من يضعفها حين يستبدل منطق المؤسسات بمنطق الأشخاص، وحين يجعل من الانتماء إلى “الكتلة المنتخبة” مبررا لإقصاء أو تحقير عضو منتخب آخر.
لقد نال المنتخبون مشروعيتهم من الاقتراع المباشر للصحافيين، وهذه حقيقة لا ينبغي التقليل منها. كما أن المنتدبين لهم مشروعيتهم التي يحددها القانون ومصدر انتدابهم. والحديث عن المشروعية يجب أن يبدأ من احترام هذا الاختلاف، لا من محاولة تحويله إلى تفوق سياسي أو أخلاقي لفئة على أخرى.
المجلس الوطني للصحافة لا يحتاج إلى مزيد من المعارك الشخصية، بل يحتاج إلى أعضاء يحترمون اختلافاتهم، وإلى نقاش قانوني واضح، وإلى شفافية في المساطر، وإلى مؤسسة تجعل من الدفاع عن المهنة أولوية بدل تحويل الخلافات الداخلية إلى حملات تشهير متبادلة.
من يريد حماية المجلس، فليحم أولا قواعده. ومن يريد الدفاع عن المشروعية، فليحتكم إلى القانون. ومن يريد محاسبة أي مسؤول، فليقدم الدليل إلى الجهة المختصة. أما الصحافة فلا تحتاج إلى معارك أشخاص، وإنما تحتاج إلى مؤسسات تحترم التمثيلية والاختلاف .
حين يعجز المرء عن إقناع الجسم الصحفي بالحجة، يلجأ أحيانا إلى شيء آخر: التشهير بالخصوم، نبش الماضي، توزيع شهادات الولاء والخيانة، وتحويل خلاف مؤسساتي إلى معركة شخصية، وهذا بالضبط ما يكشفه هذا المقال لإدريس شحتان.
عبد الواحد رفيع.





