«ذوو الإعاقة بالمغرب.. وطنٌ يرى الأرقام ولا يرى الإنسان»
عبد الرحمان بوعبدلي
في وطنٍ تتعاقب فيه الحكومات منذ استقلال المملكة، وتتغير البرامج والشعارات، ظل ملف الأشخاص ذوي الإعاقة يراوح مكانه، وكأن معاناة هذه الفئة لم تجد بعد طريقها إلى صلب السياسات العمومية.
تتحدث الحكومات المتعاقبة عن الإدماج، وتُعلن الأرقام، وتُدشن المشاريع، وتُقدم نماذج عن الولوجيات والمراحيض النموذجية، حتى أصبح المواطن من ذوي الإعاقة يسمع عن الولوجيات أكثر مما يعيشها على أرض الواقع. أما تفاصيل حياته اليومية، فتظل مليئة بالحواجز والعراقيل التي تجعل أبسط الحقوق رحلة شاقة.
فأين هي بطاقة الإعاقة التي تضع حدًا لمعاناة آلاف المواطنين؟ وأين هي مجانية أو تيسير التنقل لمن لا يستطيع تحمل تكاليفه؟ وأين هو التطبيب الذي يراعي الوضع الاجتماعي والاحتياجات الخاصة للأشخاص ذوي الإعاقة؟ وأين هو التعليم المتاح والمنصف الذي يضمن لهم حقهم في التعلم دون عراقيل؟
إن القضية ليست مجرد أرقام تُدرج في التقارير، ولا شعارات تُرفع في المناسبات، ولا تجهيزات محدودة تُقدم باعتبارها إنجازًا في مجال الولوجيات. القضية تتعلق بمواطنين لهم حقوق دستورية، وبأسر تتحمل يوميًا أعباء مادية ونفسية واجتماعية تفوق قدرتها على الاحتمال.
لقد أصبح من المشروع أن يتساءل المواطن: هل نجحت السياسات العمومية فعلًا في تحسين حياة الأشخاص ذوي الإعاقة، أم أن الأمر ما زال حبيس الأرقام والخطب والبرامج التي لا تنعكس بالقدر الكافي على واقعهم؟
فالولوجيات التي أكل عليها الدهر وشرب لا تكفي وحدها. والمنحدر الإسمنتي لا يحل مشكلة شخص لا يستطيع الوصول إلى العلاج، والمرفق النموذجي لا يعوض غياب منظومة متكاملة تضمن التنقل والتعليم والصحة والحماية الاجتماعية والاستقلالية والكرامة.
إن دستور المملكة جعل الحقوق والحريات والمساواة مبادئ أساسية، وهو ما يجعل التعامل مع ملف الإعاقة مسؤولية مؤسساتية، وليس مجرد عمل إحساني أو موسمي. ومن هنا، فإن المطلوب ليس المزيد من الشعارات، وإنما سياسات واضحة، وآجال محددة، وآليات تنفيذ ومراقبة ومحاسبة، تجعل الحقوق واقعًا ملموسًا.
لقد طال انتظار هذه الفئة. وطال انتظار الأسر التي تحملت لسنوات أعباءً لا ينبغي أن تتحملها وحدها. وبينما تتحدث لغة الأرقام عن الإنجازات، يتحدث الواقع بلغة أخرى: مواطن ما زال يبحث عن بطاقة تثبت حقوقه، وعن وسيلة نقل يستطيع استعمالها، وعن علاج يستطيع تحمله، وعن تعليم لا يتحول إلى معركة يومية.
لنا الله، ولنا في عاهل البلاد، الملك محمد السادس، أملٌ في أن تصل هذه الأصوات إلى مسامعه، وأن يحظى هذا الملف بما يستحقه من عناية وتدخل، بما يرفع عن الأشخاص ذوي الإعاقة هذا الحصار ويعيد إليهم حقهم في العيش الكريم والمشاركة الكاملة في المجتمع.
فالأشخاص ذوو الإعاقة لا يطلبون امتيازات، ولا يريدون أن يكونوا موضوعًا للشفقة؛ إنهم يطالبون بحقوقهم، وبأن تتحول الوعود الدستورية والسياسات العمومية من شعارات وأرقام إلى واقع يُعاش.
السؤال اليوم ليس: كم عدد البرامج التي أُطلقت؟ بل: ماذا تغير فعلًا في حياة المواطن ذي الإعاقة؟





