شكلت مراجعة هندسة الاختصاصات الذاتية للجهات وتصحيح إكراهات الممارسة، محور المناقشة التفصيلية لمشروع القانون التنظيمي رقم 031.26 المتعلق بالجهات، يوم أمس الثلاثاء بمجلس النواب.
وانصبت مداخلات النواب، خلال اجتماع عقدته لجنة الداخلية والجماعات الترابية والسكنى وسياسة المدينة والشؤون الإدارية، بحضور وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، على إعادة النظر في بنية الاختصاصات الذاتية، من خلال مراجعة توزيعها بين ما هو ذاتي وما هو مشترك مع الدولة، على ضوء ما أبانت عنه الممارسة من صعوبات في التنفيذ.
وفي هذا السياق، أكد عدد من النواب أن القانون الجديد من شأنه أن يتيح الانتقال من “جهوية تدبيرية” إلى “جهوية استثمارية”، فيما أثار آخرون تساؤلات بشأن قدرة هذه التعديلات على تجاوز الإكراهات التي كشفت عنها التجربة، والتي تباينت حدتها من جهة إلى أخرى، لا سيما في ما يتعلق بطبيعة العلاقة مع القطاعات الحكومية والجماعات الترابية.
وشددوا على أن نجاح هذا الورش يظل رهينا بتعزيز استقلالية الجهات وتوفير الإمكانيات اللازمة لها، في أفق ترسيخ مسار تدريجي ومتوازن نحو اللامركزية.
وتنص المادة 82 من المشروع على أن الاختصاصات الذاتية للجهة تشمل مجالات التنمية الاقتصادية والتنمية الرقمية والتنمية القروية والتعاون الدولي، بعدما كانت، في إطار القانون التنظيمي رقم 111.14، تشمل التكوين المهني والتكوين المستمر والشغل والنقل والثقافة والبيئة، وهي الاختصاصات التي أصبحت في النص الجديد مشتركة بين الجهة والدولة.
وفي هذا الإطار، أكد النائب البرلماني عن فريق التجمع الوطني للأحرار، عبد الله غازي، أن إحداث وتدبير المجمعات الجهوية لتسويق المنتجات الفلاحية والغذائية، إلى جانب المنتجات الحرفية، ضمن مجال التنمية الاقتصادية، يعد “بمثابة إحداث مرفق عمومي”، وهو ما يستدعي “ضرورة التمييز بين الاختصاص كمجال للتدخل، وبين إحداث مرفق عمومي”، داعيا إلى التعاطي مع هذا الاختصاص من زاوية إحداث مرفق جهوي فعلي قائم الذات.
كما أبرز غازي أن توزيع الاختصاصات بين الدولة والجهات يتم وفق مبدأ التفريع، بناء على القدرة التدبيرية لكل طرف، مع تعزيز الشراكة عبر آليات التعاقد لتنفيذ المشاريع.
من جهته، اعتبر رئيس فريق الأصالة والمعاصرة، أحمد التويزي، أن هذه التعديلات تندرج في إطار ضبط وتدقيق الاختصاصات، بما يشمل حذف بعض الاختصاصات التي تعذر تنزيلها بسبب ضعف الإمكانات، معتبرا أن هذا التوجه من شأنه تقوية عمل المجالس الجهوية ومنحها قدرة أكبر على التدبير، وهو “تطور إيجابي يستحق التثمين”.
وفي السياق ذاته، سجل النائب البرلماني محمد ملال، عن الفريق الاشتراكي-المعارضة الاتحادية، أن “الإشكال لا يكمن فقط في طبيعة الاختصاصات، بل في ضعف الالتقائية بين المجالس الجهوية والقطاعات الحكومية، سواء في إعداد برامج التنمية الجهوية أو في تداخل الاختصاصات مع الجماعات الترابية”.
وشدد على ضرورة إعداد هذه البرامج بتشاور دقيق مع القطاعات الحكومية، لمعالجة تداخل مجالات مثل الماء والمسالك الطرقية والثقافة، من خلال مقتضيات تؤطر العلاقة وتضمن حكامة ترابية فعالة تجعل المواطن يلمس انسجام تدخلات المؤسسات، مثمنا التنصيص على تفعيل شروط وكيفيات التعاقد بين الدولة والجهة عبر نص تنظيمي، لضمان المرونة في التنزيل ووضوح الاختصاصات.
من جانبه، أكد رئيس المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، عبد الله بوانو، أن فلسفة النص القانوني الجديد تقوم على تنزيل الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، مبرزا الحاجة إلى مزيد من تدقيق الاختصاصات لضمان انسجام وفعالية هذه البرامج.
وفي تفاعله مع مداخلات النواب، أوضح وزير الداخلية أن الرهان، منذ صدور أول قانون تنظيمي للجهات، تمثل في منح هذه الأخيرة مكانة الصدارة لتكون رافعة أساسية للتنمية، مسجلا أن تنزيل النصوص التنظيمية ومراسيمها التطبيقية تم في آجال قياسية لتمكين الجهات من الشروع في الاضطلاع بمهامها.
غير أن التجربة، يضيف الوزير، كشفت عن وجود فجوة بين النص القانوني والواقع العملي، ما طرح إشكالية ملاءمة المقتضيات القانونية مع الإمكانيات الفعلية.
وأشار لفتيت إلى أن عددا من الصلاحيات التي منحت للجهات كانت “كبيرة ويستحيل تطبيقها”، مضيفا أن الإشكال يرتبط أساسا بطريقة صياغة وفهم الاختصاصات.
وفي ما يتعلق بإحداث الشركات الجهوية، اعتبر الوزير أنها تمثل فرصة لتجاوز محدودية تجربة الوكالات السابقة التي لم تحقق النتائج المرجوة، مبرزا أن التوجه الحالي يقوم على “تقليص الاختصاصات ذات الصيغة الفضفاضة، مقابل ضبطها وتوفير الشروط الملائمة لتنزيلها في أفضل الظروف، سواء على مستوى الجهة أو الحكومة”.
وأكد أن هذا الورش لن يقتصر على تعديل القانون التنظيمي، بل سيمتد ليشمل تنظيم عمل الحكومة واختصاصاتها، ما يستدعي مواكبته بإصلاح على المستوى الحكومي، مسجلا أن نجاح هذا المسار يظل رهينا بمواكبة قانونية ومؤسساتية، في مقدمتها إصدار ميثاق اللاتمركز الإداري.





