أكد رئيس المرصد الوطني للتنمية البشرية، عثمان كاير، اليوم الثلاثاء بالرباط، أن فهم التحولات الديموغرافية وإدماجها في السياسات العمومية يشكل مسؤولية جماعية.
وأوضح كاير، خلال مائدة مستديرة نظمها المرصد بشراكة مع صندوق الأمم المتحدة للسكان حول موضوع “التحولات الديموغرافية: الواقع السوسيو اقتصادي وسياسات التنمية البشرية”، أن “التحولات الديموغرافية ليست مجرد اتجاهات إحصائية أو ظواهر بعيدة المدى، بل هي واقع نعيشه اليوم، وستظهر آثارها على كافة جوانب تنميتنا الاقتصادية والاجتماعية”، مبرزا أن “استباقها وفهمها وإدماجها في سياساتنا العمومية يشكل مسؤولية جماعية”.
وأضاف أن نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024 قدم قراءة متجددة للتحولات العميقة التي يشهدها المغرب، مشيرا إلى أن “هذه المعطيات ليست مجرد إحصائيات بسيطة، بل هي بوصلة استراتيجية لتوجيه السياسات العمومية واستشراف الاحتياجات المستقبلية للمجتمع”.
واعتبر رئيس المرصد أن المغرب يشهد انتقالا ديموغرافيا متسارعا، ففي غضون ثلاثين عاما انخفض معدل نمو السكان إلى الثلث، حيث تراجع من 2,6 في المائة في عام 1994 إلى 0,85 في المائة في عام 2024، موضحا أن هذا التطور يعود بشكل خاص إلى انخفاض معدل الخصوبة الذي أصبح الآن دون عتبة تجديد الأجيال، مما يستدعي إعادة التفكير في النماذج التنموية على المدى الطويل.
كما لفت إلى أن ثمة تحولا تدريجيا في البنية العمرية، حيث تنخفض نسبة الشباب قليلا، بينما ترتفع نسبة كبار السن بشكل ملحوظ، مشددا على أن “البنية العائلية عرفت تحولات عميقة، إذ يتناقص متوسط حجم الأسر، ويرتفع عدد الأشخاص الذين يعيشون بمفردهم، وتتزايد نسبة الأسر التي تعيلها نساء”.
من جهتها، أبرزت ممثلة صندوق الأمم المتحدة للسكان بالمغرب، ماريال ساندر، ثلاث أولويات أساسية للاستفادة من العائد الديموغرافي تتعلق، على الخصوص، بـ “الاستثمار في الشباب” من حيث جودة التعليم، والمهارات، وقابلية التشغيل، و”تحرير الإمكانات الاقتصادية للمرأة” بوصفها شرطا ضروريا لتحقيق نمو شامل، إضافة إلى “الاستثمار في الصحة” كضمان لحياة نشيطة وشيخوخة في ظروف كريمة.
وذكرت بأن المغرب باشر بالفعل إصلاحات هامة في ما يتعلق بتعميم الحماية الاجتماعية، والاستثمار في الرأسمال البشري، وخارطة الطريق الجديدة للتشغيل.
وعرف هذا اللقاء مشاركة ثلة من الخبراء والأكاديميين الذين انصبت مداخلاتهم على تحليل التحولات الديموغرافية التي يشهدها المغرب وكيفية استثمارها في تجويد السياسات العمومية.
وأوضحوا، في هذا الصدد، أن نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024 تفرض الانتقال نحو “تدبير استراتيجي” يعتمد المعطيات الديموغرافية كأداة محورية لتوجيه السياسات العمومية وضمان استدامتها، مشددين على ضرورة فهم التحولات الهيكلية في بنية الأسرة المغربية وأنماط التمدن والتباينات المجالية.
وأبرزوا أهمية تعزيز الرأسمال البشري كرافعة أساسية من خلال الارتقاء بجودة التعليم وتطوير المهارات، بموازاة مع تكييف نظام الحماية الاجتماعية ليشمل الفئات المسنة وذوي الإعاقة، وضمان استدامة صناديق التضامن في مواجهة ظاهرة الشيخوخة، مشيرين إلى أن إدماج الشباب والنساء في الدورة الاقتصادية هو “صمام أمان” لاستغلال النافذة الديموغرافية الحالية.
كما سجلوا أن الأمن المائي والغذائي يظل القلب النابض للاستقرار الديموغرافي وتثبيت السكان في مجالاتهم الترابية، داعين إلى تفعيل “ذكاء جماعي” يضع الإنسان في صلب النموذج التنموي، مع مراعاة التفاوتات الجهوية في معالجة إشكاليات السكن والشغل، لضمان استجابة مرنة وسريعة للتحولات العالمية المتسارعة.





