بقلم: ذ. مصطفى صغيري، دكتور في القانون العام والعلوم السياسية

ولي العهد في قلب اللحظة… رمزية الدولة القريبة
لم يكن مساء افتتاح كأس إفريقيا للأمم 2025 بالمغرب مجرّد حدث رياضي يُضاف إلى رزنامة البطولات القارية، ولا لحظة احتفال عابرة سرعان ما تُطوى صفحتها مع صافرة النهاية، فقد كان ذلك المساء أشبه بلحظة مكثفة من الوعي الوطني، لحظة التقت فيها الرياضة بالسياسة، والرمز بالفعل، والقيادة بالشعب، دون حاجة إلى خطابات أو بيانات رسمية، ففي مدرجات الملعب، تحت زخات المطر، وبين أعين ملايين المغاربة داخل الوطن وخارجه، تشكّلت صورة نادرة: صورة بلد واثق من نفسه، معتز بوحدته، وقريب من شعبه، صورة مغرب جديد لا يحتاج إلى التذكير بقوته، لأن حضوره وحده كافٍ ليقول كل شيء.
المغرب بعد 31 أكتوبر: وطن يستعيد لغته الرمزية
يأتي هذا المشهد في سياق وطني بالغ الدلالة، فبعد القرار التاريخي لمجلس الأمن، وبعد أن قرر جلالة الملك محمد السادس جعل يوم 31 أكتوبر “عيدًا للوحدة”، دخل المغرب مرحلة جديدة من التعبير عن ذاته، حيث لم تعد الوحدة مجرد مفهوم دستوري أو شعار سياسي، بل أصبحت ممارسة يومية، تتجلى في السلوك، في الرموز، وفي طريقة تفاعل القيادة مع شعبها، حيث أن افتتاح “الكان” لم يكن منفصلًا عن هذا السياق، بل جاء كامتداد طبيعي له، وكأن المغرب أراد أن يقول للعالم، ولأبنائه قبل غيرهم: وحدتنا ليست فقط في الوثائق والقرارات، بل في التفاصيل الصغيرة التي تصنع المعنى الكبير.

تحت المطر… حين تختار القيادة أن تشبه شعبها
من أكثر اللحظات التي شدّت انتباه المغاربة، نزول صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير مولاي الحسن إلى أرضية الملعب دون مظلة تقيه المطر، قد يمر المشهد بسرعة على شاشات التلفزيون، لكنه في الوجدان المغربي ترك أثرًا عميقًا، ففي بلد يعرف مواسم المطر، ويعرف كيف يقف المواطن البسيط تحت السماء بلا حماية، كان لهذا الاختيار دلالة رمزية قوية: القرب بدل التمايز، والمشاركة بدل الانفصال، لم يكن الأمر استعراضًا، بل رسالة صامتة مفادها أن من يمثل الدولة يشارك شعبه نفس اللحظة، بنفس الإحساس، وبنفس الظروف.

مصافحة تُعيد تعريف العلاقة بين الدولة وشبابها
حين صافح ولي العهد لاعبي المنتخب، لم تكن المصافحة بروتوكولية باردة، بل كانت حوارًا إنسانيًا قصيرًا، مليئًا بالاحترام والتقدير، نظرات مباشرة، كلمات تشجيع صادقة، وإحساس بأن هؤلاء اللاعبين ليسوا مجرد أسماء على قمصان، بل شباب يمثلون المغرب بكل أحلامه وتطلعاته، فتلك المصافحة قالت الكثير: قالت إن الدولة ترى في شبابها شركاء لا أدواتطاقةلا مجرد نتائج ومسؤولية مشتركة لا عبئًا ظرفيًا، ففي لحظة واحدة، شعر اللاعبون – ومعهم الملايين – أن الوطن يثق فيهم قبل أن يطالبهم بالإنجاز.
إشارة النصر… حين تُمارَس القيادة بالثقة لا بالضغط
قبل أن يغادر أرضية الملعب، التفت ولي العهد إلى اللاعبين وأشار لهم بإشارة التشجيع والنصر، حركة بسيطة، لكنها شديدة العمق، لم تكن تعليمات تكتيكية، ولا وصاية نفسية، بل تحفيزًا نابعًا من الثقة، ففي عالم يعرف الضغط، ويثقل كاهل الشباب بالتوقعات، جاءت هذه الإشارة لتقول: “نحن نؤمن بكم“، والفرق كبير بين قيادة تفرض النجاح، وقيادة تصنع شروطه بالثقة والدعم.

الفرح العفوي… حين يسقط الرسمي ويبقى الإنساني
خلال المباراة، تابع ولي العهد أطوار اللقاء بشغف واضح، وعندما سُجّل الهدف الثاني، جاء تفاعله تلقائيًا، صادقًا، خاليًا من أي تصنّع: تصفيق حار، ابتسامة حقيقية، وفرح يشبه فرح أي مغربي بسيط في المدرجات أو في بيته، ففي تلك اللحظة، لم يعد هناك بروتوكول، ولا مسافة رمزية، بل إنسان يفرح لفرح وطنه، وهذا بالضبط ما جعل المشهد مؤثرًا: لأن الصدق يُرى ولا يُشرح.
كرة القدم… حين تصبح لغة وحدة وطنية
المنتخبات الوطنية، بكل فئاتها العمرية، لم تعد مجرد فرق رياضية، بل صارت مرآة لوحدة المغرب، من طنجة إلى الكويرة، ومن الداخل إلى الجالية بالخارج، تلتقي القلوب على نفس القميص، ونفس النشيد، ونفس الأمل، حيث كرة القدم هنا ليست هروبًا من الواقع، بل تأكيد عليه، إنها مساحة جماعية يستعيد فيها المغاربة ثقتهم في أنفسهم، وفي بلدهم، وفي مستقبلهم المشترك.
من الملعب إلى معنى “عيد الوحدة”
ما حدث في افتتاح كأس إفريقيا للأمم 2025 لم يكن مجرد عرض ناجح، بل تجسيد عملي لمعنى “عيد الوحدة”، وحدة تُبنى بالفعل، وتُحسّ بالرمز، وتُعاش في اللحظة، وحدة لا تحتاج إلى تذكير، لأنها واضحة في السلوك، وفي القرب، وفي الصدق.
حين يتكلم الرمز بصمت
في زمن كثرت فيه الكلمات وقلّ المعنى، قدّمت لحظة رياضية واحدة درسًا عميقًا في الوطنية، درس يقول إن القيادة القريبة أقوى من ألف خطاب، وإن الوطن الذي يحتضن أبناءه يصنع ولاءً لا يُفرض، بل يُحب، هكذا، تحوّل افتتاح “الكان” إلى رسالة غير مكتوبة، لكنها وصلت للجميع:
لا حواجز بين القيادة وشعبها، ولا مسافة بين الوطن وأبنائه.
وهكذا، يصبح المغرب – مرة أخرى – بلدًا يصنع وحدته بالفعل قبل القول.





